|
بلقيسُ مطعونونَ .. مطعونونَ في الأعماقِ والأحداقُ يسكنُها الذُهُولْ بلقيسُ كيف أخذتِ أيَّامي .. وأحلامي وألغيتِ الحدائقَ والفُصُولْ يا زوجتي وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياءَ عيني قد كنتِ عصفوري الجميلَ فكيف هربتِ يا بلقيسُ منّي ؟ بلقيسُ هذا موعدُ الشَاي العراقيِّ المُعَطَّرِ والمُعَتَّق كالسُّلافَةْ فَمَنِ الذي سيوزّعُ الأقداحَ .. أيّتها الزُرافَةْ ؟ ومَنِ الذي نَقَلَ الفراتَ لِبَيتنا وورودَ دَجْلَةَ والرَّصَافَةْ ؟
بلقيسُ إنَّ الحُزْنَ يثقُبُنِي وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ .. لا تدري جريمتَها وبيروتُ التي عَشقَتْكِ تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها وأطفأتِ القَمَرْ
بلقيسُ يا بلقيسُ يا بلقيسُ كلُّ غمامةٍ تبكي عليكِ فَمَنْ تُرى يبكي عليَّا بلقيسُ .. كيف رَحَلْتِ صامتةً ولم تَضَعي يديْكِ .. على يَدَيَّا ؟
بلقيسُ كيفَ تركتِنا في الريح نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ ؟ وتركتِنا - نحنُ الثلاثةَ - ضائعينَ كريشةٍ تحتَ المَطَرْ أتُرَاكِ ما فَكَّرْتِ بي ؟ وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ .. مثلَ زينبَ أو عُمَرْ بلقيسُ يا كَنْزَاً خُرَافيّاً ويا رُمْحَاً عِرَاقيّاً وغابَةَ خَيْزُرَانْ يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العُنْفُوانْ ؟ بلقيسُ أيتها الصديقةُ .. والرفيقةُ والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ ضاقتْ بنا بيروتُ .. ضاقَ البحرُ ضاقَ بنا المكانْ بلقيسُ : ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ
بلقيسُ تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا وتجلُدني الدقائقُ والثواني فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ .. قصَّةٌ ولكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ تغمُرُني ،كعادتِها ، بأمطار الحنانِ ويُعَرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ على الستائرِ والمقاعدِ والأوَاني ومن المَرَايَا تطْلَعِينَ من الخواتم تطْلَعِينَ من القصيدة تطْلَعِينَ من الشُّمُوعِ من الكُؤُوسِ من النبيذ الأُرْجُواني
بلقيسُ يا بلقيسُ .. يا بلقيسُ لو تدرينَ ما وَجَعُ المكانِ في كُلِّ ركنٍ .. أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ وعابقةٌ كغابةِ بَيْلَسَانِ فهناكَ .. كنتِ تُدَخِّنِينَ هناكَ .. كنتِ تُطالعينَ هناكَ .. كنتِ كنخلةٍ تَتَمَشَّطِينَ وتدخُلينَ على الضيوفِ كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني
بلقيسُ أين زجَاجَةُ ( الغِيرلاَنِ ) ؟ والوَلاّعةُ الزرقاءُ أينَ سِجَارةُ الـ (الكَنْتِ ) التي ما فارقَتْ شَفَتَيْكِ ؟ أين (الهاشميُّ ) مُغَنِّيَاً فوقَ القوامِ المَهْرَجَانِ تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها فَيَكْرُجُ دَمْعُهَا هل يا تُرى الأمْشَاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني ؟ بلقيسُ : صَعْبٌ أنْ أهاجرَ من دمي وأنا المُحَاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ وبين ألسنَةِ الدُخَانِ بلقيسُ : أيتَّهُا الأميرَةْ ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي ؟ إنَ الكلامَ فضيحتي ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا عن نجمةٍ سَقَطَتْ وعن جَسَدٍ تناثَرَ كالمَرَايَا ها نحنُ نسألُ يا حَبِيبَةْ إنْ كانَ هذا القبرُ قَبْرَكِ أنتِ أم قَبْرَ العُرُوبَةْ بلقيسُ يا صَفْصَافَةً أَرْخَتْ ضفائرَها عليَّ ويا زُرَافَةَ كبرياءْ بلقيسُ إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ويبقُرُ بطْنَنَا عَرَبٌ ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ ؟ فالخِنْجَرُ العربيُّ .. ليسَ يُقِيمُ فَرْقَاً بين أعناقِ الرجالِ وبين أعناقِ النساءْ بلقيسُ إنْ هم فَجَّرُوكِ .. فعندنا كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ وتنتهي في كَرْبَلاءْ لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ
|